ابن الجوزي

306

زاد المسير في علم التفسير

" الفاتحة " وغيرها . فإن قيل : كيف يقال : إن المشركين استكثروا والمسلمين ، وإن المسلمين استكثروا المشركين ، وقد بين قوله تعالى : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ) أن الفئتين تساوتا في استقلال إحداهما للأخرى ؟ فالجواب : أنهم استكثروهم في حال ، واستقلوهم في حال ، فإن قلنا : إن الفئة الرائية المسلمون ، فإنهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ما هم عليه ، ثم قلل الله المشركين في أعينهم حتى اجترأوا عليهم ، فنصرهم الله بذلك السبب . قال ابن مسعود : نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ، ثم نظرنا إليهم ، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا . وقال في رواية أخرى : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مئة ، فأسرنا منهم رجلا فقلت : كم كنتم ؟ قال : ألفا . وإن قلنا : إن الفئة الرائية المشركون فإنهم استقلوا المسلمين في حال ، فاجترؤوا عليهم ، واستكثروهم في حال ، فكان ذلك سبب خذلانهم ، وقد نقل أن المشركين لما أسروا يومئذ ، قالوا للمسلمين : كم كنتم ؟ قالوا : كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر . قالوا : ما كنا نراكم إلا تضعفون علينا . قوله [ تعالى ] : ( والله يؤيد ) ، أي : يقوي ( إن في ذلك ) في الإشارة قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى النصر . والثاني : إلى رؤية الجيش مثليهم ، والعبرة : الدلالة الموصلة إلى اليقين ، المؤدية إلى العلم ، وهي من العبور ، كأنه طريق يعبر به ويتوصل به إلى المراد . وقيل : العبرة : الآية التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى العلم . والأبصار : العقول والبصائر . زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ( 14 ) قوله [ تعالى ] : ( زين للناس حب الشهوات ) قرأ أبو رزين العقيلي وأبو رجاء العطاردي ، ومجاهد ، وابن محيصن " زين " بفتح الزاي " حب " بنصب الباء ، وقد سبق في " البقرة " بيان التزيين . والقناطير : جمع قنطار ، قال ابن دريد : ليست النون فيه أصلية ، وأحسب أنه معرب .